هشام جعيط
168
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
هذا الخليفة على بناء سور بالكوفة في سنة 155 ه / 762 ، أحاط هذا الحزام بالمركز وبجانب كبير من مساحة السكن ، فشكل بذلك « مدينة » من النمط الإسلامي ، بمعنى مدينة تامة لا تتميز إلا عن أرباضها . إن ما تبقّى بالكوفة من تقاليد آشورية « 1 » ، نقلتها بابل الجديدة ، يتمثل بالخصوص في تجاوز المعبد والقصر الملتحمين هنا في وحدة أو تكاد ، أكثر مما كان في بابل ، لكن المحتفظين معا بفردية خاصة بكل منهما . ومن جهة أخرى ، تحدد موقع هذه المساحة العمومية في المركز الهندسي دائما ، بالكوفة أولا ثم في كل مدينة إسلامية بعد ذلك . قد يقع أن القصر ينفصل عنها ، ويقام بالحوائط ويسمى بالقصبة أو القلعة « 2 » ، لكن لم ينفصل أبدا لا الجامع ولا الأسواق . وأحسن من ذلك : إن الجوار العضوي للمسجد والأسواق المسقفة المتخصصة ، وموقعهما المركزي هو ما سيتبقى من مفهوم المساحة العمومية كالسمة الأكثر خصوصية للمدينة الاسلامية ، حين سيشتد عودها في العصر الكلاسيكي . بل إن هذه السوق المركزية المتضخمة ابتكار إسلامي ، إذ ثبت أن السوق في بلاد الرافدين كانت أهميتها محدودة باستمرار ، فضلا عن أنها كثيرا ما كانت مندمجة بالمعبد « 3 » . النقطة الثانية الواجب توضيحها تتعلق بالسكك : يضع المؤلفون في أكثر الأحوال مقارنات بين المظهر الملتوي للمدينة الإسلامية المتأخرة ، وبين الأزقة ، والسكك المسدودة في مدن بلاد الرافدين « 4 » . لكن يبدو جليا وبعد إمعان النظر في واقع الأمور ، أن السكك الكبرى في المدينة الشرقية القديمة « كانت تنزع إلى اكتساب عرض منتظم والتلاقي على زاوية قائمة تقريبا » ، كما يقرّره أوپنهايم « 5 » ، وذلك بالرغم من وجود الأزقة المسدودة . وخلافا للرأي الشائع ، يبدو أن انتظام شبكة الطرقات في أور كما في بابل يفوق إلى حد بعيد المنعرجات الموجودة فيهما لكن هذين الصنفين من السكك متواجدان . وهذه مشابهة أخرى مع الكوفة في أول عصرها كما هي مع بغداد الأولى . ولعله ينبغي البحث عن تسلسل ما ، على مستوى بنية الدار بالذات ، هذه الدار المطبوعة هنا وهناك بتفتحها على الوسط ، رغم أننا نجهل كل شيء عن الدور الأولى بالكوفة .
--> ( 1 ) لعلّه يحسن أن نوجه نظرنا بتمعّن أكثر إلى أعلى بلاد الرافدين والشام وآسيا الصغرى وخاصة هاترا في عصر البارث التي كانت مستديرة لا محالة ، لكن تضمّنت مدينة داخلية مربعة الشكل : . Oppenheim , p . 146 . ( 2 ) حيث نجد رجوعا إلى النمط الآشوري . ( 3 ) حتى فيرث قبل بذلك : . Wirth , « Orientalische Stadt » , pp . 83 - 89 وتدل كلمة « سكّو » في الأكادية على السكة والشارع . راجع : سعيد الأفغاني ، أسواق العرب . . . بيروت 1974 ، في موضوع تقاليد الأسواق عند العرب . ( 4 ) منذ أن ظهر كتاب وولي : . Excavations at Ur ( 5 ) . Oppenheim , p . 149 لكنه قبل أيضا بفكرة « التواء السكك والأزقة » : . Ibid . , pp . 153 - 154